الشوكاني
266
فتح القدير
ونبح ، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومديرا مع عنك ، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان ، والإشارة بقوله ذلك إلى ما تقدم من التمثيل بتلك الحالة الخسيسة . وهو مبتدأ وخبره ( مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) أي ذلك المثل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود بعد أن علموا بها وعرفوها فحرفوا وبدلوا وكتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذبوا بها ( فاقصص القصص ) أي فاقصص عليهم هذا القصص الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن الآيات فإن مثله المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود الذين تقص عليهم ( لعلهم يتفكرون ) في ذلك ويعملون فيه أفهامهم فينزجرون عن الضلال ويقبلون على الصواب . قوله ( ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ) هذه الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية : يقال ساء الشئ قبح ، فهو لازم ، وساءه يسوؤه مساءة : فهو متعد وهو من أفعال الذم : كبئس ، وفاعله ضمير مستتر فيه ، ومثلا تمييز مفسر له والمخصوص بالذم هو الذين كذبوا بآياتنا ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف لأجل المطابقة أي ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا . وقال الأخفش : جعل المثل القوم مجازا ، والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ التقدير : ساء المثل مثلا هو مثل القوم ، كذا قال . وقدره أبو علي الفارسي : ساء مثلا مثل القوم كما قدمنا . وقرأ الجحدري والأعمش ( ساء مثل القوم ) . قوله ( وأنفسهم كانوا يظلمون ) أي ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها ، والجملة معطوفة على التي قبلها على معنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم ( من يهد الله فهو المهتدى ) لما أمر به وشرعه لعباده ( ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) الكاملون في الخسران ، من هداه فلا مضل له ، ومن أضله فلا هادي له : ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . وقد أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) قال : هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن آبز . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال : هو بلعم بن باعوراء ، وفي لفظ : بلعام بن باعر الذي أوتى الاسم كان في بني إسرائيل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) قال : هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم ، تعلم اسم الله الأكبر ، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه فقالوا : إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة ، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا ، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه ، قال : إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي ، فلم يزالوا به حتى دعا الله فسلخ ما كان فيه . وفي قوله ( إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) قال : إن حمل الحكمة لم يحملها ، وإن ترك لم يهتد لخير كالكلب إن كان رابضا لهث وإن يطرد لهث . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في الآية قال : هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن ، وكانت له امرأة له منها ولد ، فقالت : اجعل لي منها واحدة ، قال : فلك واحدة فما الذي تريدين ؟ قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل ، فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل ، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئا آخر ، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة ، فذهبت دعوتان ، فجاء بنوها فقالوا : ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس . وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو في الآية قال : هو أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وفي لفظ : نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن